عدد الرسائل: 3853 العمر: 17 Localisation: في خيال كل من يعرفني ... رقم العضوية: 2 المزاج: النشاط:
وسام التميز: تاريخ التسجيل: 22/03/2007
جوائز الامانى اوسمه: 2 نقاط التميز: 360 الحضور: (0/0)
موضوع: الشارع دة الأحد يوليو 20, 2008 1:26 am
الشارع دة
أومن دائما أن الذاكرة كائن حي مثلها مثل باقي الكائنات تحتاج إلى غذاء وعناية متواصلة كي تعتني هي بدورها بما ومن تحتويه من ذكريات عزيزة على قلبك.. لذلك فإن أهملتها ولم تراعِها فهي بالمثل ستهمل ذكر بعض الجوانب من حياتك.. والمدهش في أمر الذاكرة أنها لا تكلِّفك مالا ولا عبئا في العناية بها فقط يكفيها أنك ما زلت على قيد الحياة فتقوم هي بالعناية بنفسها دون أثقال عليك.. وغذاؤها لن يكلفك شيئاً؛ لأنها تستمده من بقائك شخصياً.. فقط كل ما ترجوه هو لحظة صفاء نادرة تمر بخلايا عقلك المزدحم بآلاف الخواطر لتستعيد صورة قديمة في ذهنك أو تسمع أصواتا قديمة؛ لتتجدد الصورة مرة أخرى، وتعود للخلفية الأبيض والأسود بهجة الألوان من جديد، وتصبح بعدها من أسهل الملفات استرجاعا من أرشيف ذاكرتك، لكن في بعض الأحيان ينشغل المرء بأحداث مهمة وأشخاص أهم بل وذكريات أرفع مكانة وأعز لديه مما يؤدي إلى اختباء بعض الذكريات الأخرى في خجل، ليعلوها الغبار وتكسوها التجاعيد ويصيبها الهِرم... وإذ فجأة يحدث أمر مفاجئ يفيقها من غفوتها، فتصحو مذعورة بملابس رثة وشعر أشعث وملامح باهتة تحاول أن تفهم حينها ما الذي حدث وأحالها إلى هذه الصورة المُزْرية!
كنت أسير في طريق العودة ولم يكن في ذهني أي شيء سوى الرغبة في الوصول للمنزل وكان الازدحام لا يطاق فلجأت إلى بعض الطرق المختصرة لعلي أصل للمنزل أسرع، وبعد الكثير من اليسار واليمين وقليل من التيه المعتاد إذ فجأة أجدني في الشارع الرئيسي المفضي إلى مدرستي القديمة!.. وكان قد مضى من الزمن أكثر من أربع سنوات بعد تخرُّجي لم أزرها سوى مرة واحدة.. قررت الاستمرار في الشارع دون أن أنحرف عنه وهو ما كنت أتعمده قديما لسبب لا أدريه.. لعلي كنت أشفق على نفسي من الحزن الذي سأحسه والحنين الذي سيغمرني حينها لولا أني في منتصف الطريق لمحت في أقل من ثانية زميلة قديمة تمر في الشارع!! على الفور تعرفتها وتعرفت ملامحها التي لم تتغير إلا لِماما، وقفز اسمها إلى ذاكرتي في سرعة اندهشت لها بعدما ظننت أن أكوام الغبار على هذه المرحلة من ذاكرتي ستحتاج الكثير والكثير لإزالتها وأدركت أنها لا يمكن أن تكون مصادفة قوية لهذه الدرجة وأدركت أنها الإشارة فعدت أدراجي وشققت طريقي نحو المدرسة في نفس الشارع الذي كنت أسلكه قديماً.
أشعر برهبة شديدة وكأني سأذهب إلى لقاء الزمن نفسه، وبدأت أولى البوادر في الظهور.. مسجد العزيز بالله ثم الكنيسة العملاقة المهيبة.. أنحرف يمينا فتطالعني المكتبة الصغيرة التي كنا نبتاع منها جريدة "الأهرام إبدو" كل أربعاء.. يزداد خفقان قلبي أكثر وأكثر حين أقترب من محل العصير الذي كنا نرتاده في مرحلة الثانوية العامة وأنهار القصب والسوبيا التي شربتها مع صديقتي العزيزة حتى قضينا على محصول القصب في البلد آنذاك! وأخيرا لمحت الجدران العالية لمدرستي الحبيبة.. ألمح اسمها الذي حفر على الجدران منذ ما يقارب المائة عام وما زال اسمها يحمل صفة المدرسة الداخلية رغم أنها لم تعد كذلك منذ فترة طويلة.. يرتفع ضجيج قلبي حتى يصيبني بالصمم فأحاول تهدئته بمزيد من التنفس العميق وبعد أن هدأت بدأت أدرك التفاصيل الأخرى التي أعماني الانبهار عن رؤيتها..
فالشارع تغيّر لم يكن بهذا الضيق فيما سبق.. كنت أتخيله بحرا واسعا، وكنت أخاف من عبوره بمفردي.. الآن صار مزدحما بصفين من السيارات وعشرات المحلات التجارية التي ظهرت من حيث لا أعلم.. اختفت الفيلتان القديمتان وحل مكانهما أربعة أبراج ضخمة لم تكن موجودة قبل ذلك مما ساهم في إضافة المزيد من الضيق النفسي بعد زوال كل علامة للماضي الفخيم وأناقة ذلك الزمن الذي ولّى ليحل مكانه تلك المكعبات.. اختفى محل الخردوات الصغير ليحل مكانه مقهى يتكدس فيه شباب لا يفعلون شيئا سوى القهقهة وشرب الشيشة.. أبحث بجنون بعيني عن تلك المكتبة الصغيرة فأهدأ حين تقع عيني على لافتتها العزيزة.. هي.. هي.. نفس الخط الطفولي وصورة البنت والولد ونفس الهيئة لم تغيرها السنون "صبيان وبنات" التي كانت تشكِّل لنا العالم بأسره خارج أسوار المدرسة.. أسترجع طعم اللوليتا التي تذوقتها لأول مرة مع صديقتي ومشاعر الرهبة بداخلنا كيلا تكتشف إحدى الراهبات الأمر ويكون العقاب المستحق لهذه الجريمة النكراء!..
بدأت الفتيات في الخروج من المدرسة عقب "جرس المرواح" كما كنا نطلق عليه وانفتح الباب الكبير لأرى مدرستي من الداخل.. حمدت الله أنها لم تتغير كثيرا لا زلت أعرف المكان والمكان يعرفني.. فقط تغيرت ألوان الحوائط بعض الشيء ورحل اللون الرمادي القديم لتحل محله ألوان أكثر عددا لكنها نفس الحوائط التي أحاطتنا في صبانا يوما ما.. أشعر أني عدت للوراء أعواما كثيرة.. اتجهت من فوري إلى ملعب المرحلة الثانوية أجمل سنوات عمري.. ألمح تغيرا طرأ على ترتيب الفصول فأصبح فصلي الأثير الذي كان يطل على الحديقة الخلفية ملجأ لطلبة الإعدادي..
تجولت في بعض الفصول واعترفت أخيرا أنها تغيرت كثيرا ولولا شكلها الخارجي لما تعرفتها بألوانها الجديدة.. اختفت اللوحات السوداء والطباشير الملون ليحل محلها الوايت بورد.. لم أتعرف على أي من المُدرِّسات الجديدات لكن مع سؤال بعض الطالبات عرفت أن مدرسيّ الأحباء ما زالوا بها.. ما زال هناك "مسيو سليم" اللبناني الوسيم الذي لم أر في مثل دماثة أخلاقه وخفة دمه..
وما زال هناك "مدموازيل نيللي" ببشرتها السمراء الجميلة و"مدام فاطمة" التي عشقت النحو بسببها.. أما الباقون فلا أعرفهم.. المكان هو المكان لكني أصبحت غريبة عنه.. أفتقد ذكرياتي الطفولية وحوادث الفصول ومشاغبات المرحلة الثانوية وأفتقد حتى لحظات العقاب!.. تخرج إحدى الراهبات من أحد الأبواب فتلمحني وتبتسم. لا أعرفها فأعود لسؤال الفتيات عن أسماء بعض الراهبات القدامى.. فيهززن رءوسهن جهلا فأشعر أني من عصر سحيق مضى!
تمضي الدقائق سريعة بعد تجولي في أنحاء حديقة الروضة وفصولها، وابتسمت حين رأيت بعض المناطق ما زالت على حالها لم تطلها عصا التغيير بعد.. ثم حان وقت العودة فأخرج وأنا أودّعها بنظرات تقطر شجنا وحنينا لا يوصف.. أشتاق بشدة إلى زميلاتي وسنوات البراءة.. أتراهن على حالهن أم تبدلن هن الأخريات؟.. أعود إلى الشارع الذي كان رحبا قديما وإذ به قد ضاق كما لم أتصور وأشعر بحزن لا أدري مبعثه.. أرمق المدرسة مرة أخيرة وأختزن بعض الذكريات بداخلي وأمضي وأنا اردد إحدى رباعيات "جاهين": "الشارع ده رحنا فيه المدرسة.... اللي باقي منه باقي واللي مش باقي اتنسى كنسوه الكناسين بالمكنسة بدموعي في لحظة أسى الشارع ده كنا فيه زمان كل يوم يضيق زيادة عما كان بقي دلوقت زي بطن الأم... مالناش فيه مكان"